أحمد بن يحيى العمري

80

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

العالي ، وكان نبيه المعالي ، وكانت بيعته في رجب سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة ، فتمت له الأمور ، وتابعته البلاد فضبطها وكف عن أطرافها جور العدى وشططها ، وأحسن تدبيرها ، وكان سنوسيا نبيلا ، رئيسا جليلا ، فطنا بالصواب ، لا يخطئ مواقعه ، ولا يخلي من صفو المناهل مشارعه ، أذكى قلبا من السراج ، وأشف بصرا من الزجاج ، محصنا للملك ، مسكنا للفتن ، مؤثرا للخير ، مثمرا للجاني [ أي مصلحا له ] معمرا للنواحي ، مصلحا لأمور الجند ، منجحا لمقاصد الأمل ، كانت أيامه هادئة مطمئنة ، لا تنجم في دولته فتنة ، ولم يزل كذلك إلى أن مات بمالقة ، سنة أربع وأربعين وأربع مائة ، وكانت مدته ست سنين وستة أشهر ، وكلها محمودة ممدوحة ممنونة ممنوحة ، كأنها أعياد ، أو في جفون الزمن الوسنان رقاد ، ينهل نداها سلكبا ، ويجل قدر [ ص 36 ] دولتها فلا يمر بها السحاب إلا راحلا لا راكنا . 27 - ذكر دولة الموفّق أبي علي إدريس بن علي بن إدريس بن علي بن حمود بن أخي المهدي ، وكان ندي الندى ، يفوت كربة كل سخي ، وعيش زمانه كل رخي ، وعزم ضاربه كل نخي ، لا يتأخر جوابه عن المصطرخ ، ولا تأفل أهلة شهوره الحسان ولا تنتسخ ، إلا أنّ الأقدار لم تسعده بمطلعها ، ولم تبعده من اجتذاب منازعتها ، بويع سنة أربع وأربعين وأربع مائة ، ولم يخطب له خطيب ، ولا هتف باسمه داع في بعيد ولا قريب ، وبقي أشهرا كان زمانه فيها بالطاعة والعصيان مستمرا ، ثم ثار عليه إدريس العالي بن يحيى بن علي بن حمود المخلوع المقدم ذكره ، فخلعه وقسره عليه كالليث القسورة وما خدعه ، وانتزع الملك ، ثم عادت دولة العالي ، وما بقيت إلا أياما وليالي ، ثم أتاه الموت ، وأجاب الصوت ، فترك منبره ، ونزل المقبرة . ثم كانت :